الصفحة الرئيسيةقصص نجاحشرطة دبي.. مليون تحية وتعظيم سلام


عدد القراء 527 طباعة - أرسل لصديق


شرطة دبي.. مليون تحية وتعظيم سلام

لا شك أن ما حدث أخيرًا في دبي من اغتيال القيادي الفلسطيني محمود المبحوح، ثم نجاح شرطة دبي بقيادة اللواء خلفان في اكتشاف تفاصيل الجريمة ومرتكبيها في سرعة غير معتادة، وبدقة فائقة لم نعهدها في مثل هذه العمليات طوال حياتنا، خاصة وأنها عمليات عادة ما تتم بدرجة عالية من الحرفية والدقة والإحاطة.. لا شك أن هذا ليمثل بحق شهادة تقدير ووسام شرف على صدر شرطة دبي.
وفي الحقيقة فإن المستوى الذي ظهرت به شرطة دبي لم يأت اعتباطًا أو مجرد ضربة حظِّ، بل سبق هذا المستوى مراحل مضنية وأعمال مهنية على أعلى درجة من الاحتراف والإدارة والنظام..
فعلى مدى العشرين سنة الماضية، وبحكم مهنتي في الإدارة عامة والإدارة الإستراتيجية خاصة، وأنا أتابع ما يحدث من تطوير وتطور، شاركت فيه في بعض الأحيان، وكان اللافت للنظر هو أنك حينما تكون في الإمارات عمومًا وفي دبي على وجه الخصوص، سوف تلاحظ وكأنه ليس هناك تواجد أمني في الشوارع يسترعي الانتباه، لكنك في المقابل سوف تشعر بمدى توافر وتحقيق معنى الأمن بكل مظاهره وأشكاله من حولك، سواء كان في الشارع أو في المرور أو غير ذلك!
وفي إحدى دوراتي التدريبية عن الإدارة الإستراتيجية، والتي كان يحضرها لفيف من كبار شرطة دبي وأبو ظبي والشارقة، وكنت أناقش رسالة ومهمة الشرطة لدى كل مجموعة، استوقفنني مقولة لمسئول في شرطة دبي أثناء عرضه، هي قوله: "إننا كإمارة اقتصادية تقوم على الانفتاح ودخول ملايين السياح والمستثمرين، نعتبر جهاز الأمن ركنًا إستراتيجيًا أساسيًا لتوفير مناخ آمن ومستقر، ونحن نوفر له كافة الإمكانات؛ مادية وبشرية وتكنولوجية؛ فالأمر عندنا لا يحتمل حدوث جريمة واحدة، وإذا حدثت فلا يحتمل أن يمر على اكتشافها أكثر من أربع وعشرين ساعة.."!!
حين ذاك ظننت أن في الأمر بعض المبالغة وزيادة في مدى الطموح، وهو شيء في حد ذاته محمود لدينا كمتخصصين في إدارة الإستراتيجية، خاصة حينما نتعامل مع الرؤية الإستراتيجية، لكن الأحداث الجارية، وخاصة في السنة الأخيرة، أثبتت أن الأمر لم يعد مجرد رؤية، بل تم ترجمتها بالفعل إلى واقعٍ وتطبيق، وهذا هو أعظم عملٍ لصنَّاع الإستراتيجية.. أن يعملوا على صياغة رؤية ورسالة عظيمتين، ثم يوصلوها إلى كافة العاملين؛ ليعملوا متناغمين وبحب وتفان على ترجمتها إلى واقع ملموس.
وبعيدًا عن هذا كله، فإن كشف جريمة الموساد، وكشف تواطؤ أجهزة أوربية معه في هذه الجريمة، وبهذه السرعة الفائقة التي لم يكن لهم أن يتخيلوها بأي حال.. كل ذلك كشف عن أمورٍ عدة، نجملها فيما يلي:
الأول: مدى الكفاءة والجاهزية العالية لجهاز شرطة دبي، والتي كانت نتيجة جهدٍ متواصل من الإعداد والاستعداد المستمر على مدى ربع القرن الماضي.
الثاني: مدى العلاقة القذرة والخبيثة من التعاون والتنسيق العالي في مثل هذه العمليات، بين جهاز الموساد الإجرامي وباقي الدول التي كثيرًا ما تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام سيادة الدول.
الثالث: دور الإعلام اليقظ والحرفي في هذه الدول المشتركة في الجريمة في فضح وكشف أبعاد وخفايا الجريمة.
الرابع: دور التقينة والتكنولوجيا الحديثة التي تقف وراءها إدارة إستراتيجية ذات رؤية ورسالة في تحقيق الأمن والأمان، فإن فشلت في منع حدوث الجريمة، فعلى الأقل سرعان ما كشفت مرتكبيها، وبأدلة دامغة لا تقبل الشك أو الجدل!
الخامس: الدور العاجز لما يسمى بمجموعة الدول العربية التي لم تحرك ساكنًا للاحتجاج على انتهاك سيادة دولة من أسرتها، وكأن الطبيعي أن يحدث ذلك ونرضى به ونألفه، والذي حدث هذه المرة هو غير طبيعي بالمرة؛ فكثيرًا ما تحدث مثل هذه العمليات لكن دون اكتشاف أو إعلان..
السادس: كشف عجز أجهزة الأمن العربية الأخرى عن القيام بمهمتها وأداء رسالتها الحقيقية في نشر الأمن والأمان في ربوع أوطانها، ومدى تحريف رسالتها لتكريس خدمة الأمن السياسي بدلاً من الأمن الاجتماعي والمجتمعي والاقتصادي بأبعاده الحقيقية والمتكاملة.. بل قد ترصد الميزانيات بالمليارات وتجهز الموارد البشرية والتكنولوجة والمالية وغيرها، لكن لأغراض أبعد ما تكون عن توفير الأمن والأمان الحقيقي للمواطن وللمجتمع ككل.
السابع: دور منظمات المجتمع المدني والشارع السياسي الذي يؤثر فيه الإعلام للضغط على الحكومات المتواطئة في مثل تلك العمليات القذرة والخارجة عن القانون، وإجبارها على كشف الحقائق، أو تعرية المتواطئين ومحاسبتهم.
الثامن: دورنا نحن في استغلال كل ما سبق من آليات والاستفادة منه.
التاسع: الوضوح والحزم القاطع من قبل قيادة شرطة دبي في تناولها للقضية، واكتشاف كافة أبعادها دون الخضوع لأية مساومات أو ابتزازات على الأقل حتى الآن، كما نرى ونشاهد.
العاشر: مصداقية الدول الأوربية المتقدمة ومدى ثباتها على محك هذا الحدث، وهل سوف تنجح أو ترسب في هذا الامتحان الذي لا يمكن فيه هذه المرة أن تستخدم مجرد العبارات المطاطة واللغة الدبلوماسية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، خاصة بعد أن وضعت جميع النقاط على الحروف وبشكل واضح ومكشوف..
بعد هذه النقاط التي أكتفي بها فإنني أُثمِّن الدور الكبير الذي قامت به شرطة دبي، والذي أعلم كيف وصلت إليه، وأمنحها - كمواطن عربي يحب الأمن ويريد أن يحياه ويعيشه في وطنه، وكمتخصص في إدارة الإستراتيجية، وكمدرب كانت له علاقاته المباشرة بهذا الجهاز - أمنحها شكري وعظيم امتناني على هذا الأداء المهني الراقي، راجيًا أن يكون في ذلك إلهامٌ ومثالٌ حي لأجهزة الشرطة في منطقتنا العربية، تلك التي ترهلت، وشغلت نفسها وأقحمتها في مهام أخرى متعددة، اللهم إلا مهمتها الأساسية التي أُنيطت بها، وتلك التي غاب عن معظمها رؤية ورسالة واضحة ومحددة، تجعلها بالفعل في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد لتحقيق الأمن بكافة أشكاله، وبنفس الدرجة في الجودة والإتقان؛ الأمن الاقتصادي، الأمن الاجتماعي.. تمامًا بتمام كما تحققه بكل جدارة في الأمن السياسي!
فلمن سهرت عيونهم.. ولمن أثبتوا جدارتهم.. ولمن حققوا الأمن لأوطانهم.. لكم مليون تحية وتعظيم سلام، ولا نامت أعين الجبناء!

أ.د. محمد المحمدي الماضي
أستاذ إدارة الإستراتيجية بكلية التجارة – جامعة القاهرة