حكمة اليوم

قرأنا لك

الخطوات الثمانية لتصميم برامج تدريبية فعالة - عبد الرحمن محمد المحمدي... المزيد

قائمة المراسلة
الاسم
البريد
الجوال

مشاهدة : 1157

الإدارة في ظلال السيرة : قيادة القافلة: مدرسة للإدارة المتكاملة(5) قبل البعثة

الإدارة في ظلال السيرة : قيادة القافلة: مدرسة للإدارة المتكاملة قبل البعثة
إعداد/ أ.د. محمد المحمدى الماضى
أستاذ إدارة الإستراتيجية بجامعة القاهرة

www.almohamady.com

---------------------------------------------

إن وظائف الإدارة تتصف بصفة العمومية ، فمن كان ناجحاً في إدارة مستشفي سوف يكون ناجحاً في إدارة مدرسة ، أو نادي رياضي أو غيرها وخاصة علي المستوي الإداري الأعلي .
ولعل ذلك يلقي بظلال علي الثقافة التي لا تزال سائدة في بلادنا ، وهي الربط بين تولي المناصب العليا والمهارات الفنية أساساً ، رغم انخفاض وزنها في هذا المستوي.
 فعلي مستوى الوزارات مثلاً يجب الفصل تماما بين الجانب الفني للوزارة ومن هو أهل لتولي إدارتها، المهم هو توافر المهارات الفكرية والقيادية والإنسانية اللازمة.
 ولعل ما نراه من تباين في أداء وزراء جميعهم علي أعلي مهارة فنية، هو مقدار ما يتمتع به كل منهم من كمال أو نقص في المهارات القيادية الإدارية والإنسانية ، وهذا أمر يجب أن نأخذه بعين الاعتبار، في طريق استعادتنا لبناء مصر الجديدة بعد الثورة .
ولكن وكما رأينا في المقالات السابقة فإن هناك أمارات ومواصفات ومهارات وقيم يجب توافرها في أي قيادة يتم اختيارها ، ليس هذا فحسب بل يجب الإعداد المسبق بكافة الوسائل المعتبرة لتكوين قيادات المستقبل الواعدة .
وحينما ننظر إلي ما توافر لرسول الله صل الله عليه وسلم من إعداد مسبق قبل بعثته وبشكل عملي ميدانى ، نتأكد أن سنن الله سبحانه وتعالي في اختيار أعظم قادة للبشرية لا تسير عشواء ولكن وفق آليات مقننة ومعتبرة ، يجب الوقوف عندها ، والإستفادة منها .
فبعد التنشئة المبكرة في بيئة مناسبة ، ثم توليه صل الله عليه وسلم مسئولية قطيع من الماشية للرعي والعناية التامة بكافة متطلباتها واحتياجاتها علي اختلاف أنواعها ، ورغم عدم قدرتها علي التعبير ، فإننا اليوم نقف عند محطة مهمة في التدريب علي ممارسة القيادة وتحمل المسئولية وذلك ابتداء من سن الثامنة عشر حيث بدأ عمه يدربه علي واحدة من أهم الأنشطة الأقتصادية والإدارية لأهل مكة ألا وهي التجارة وكانت التجارة وخاصة القوافل هي أهم رافد اقتصادي لهم .
وكانت القوافل تتجه إما إلي الشام ، أو اليمن ، أو أفريقيا ، وخاصة الحبشة ، أو في الشرق حتي الصين ، والهند ، وفارس .
ولم يكن من السهل إسناد قيادة قافلة إلا لمن هو أهل لذلك ، فالقافلة لمن لا يعلم، تحتاج لكل وظائف الإدارة ، من تخطيط ، وتنظيم ، وتوجيه ، ورقابة ، وقائدها مسئول عن تحقيق أهداف كل مشارك فيها من الناحية الاقتصادية ، وهي تحقيق أعلي ربحية لرأسماله ، وبلغة أحدث ، تعظيم القيمة الإقتصادية للمشاركين في القافلة، وفي نفس الوقت عليه أن يحافظ علي تأمين القافلة وحمايتها ضد أية مخاطر وخاصة من مهاجمة القبائل وقطاع الطرق ، حيث ترتاد القوافل مئات الكيلومترات في بيئة صحراوية وجبلية صعبة وقاسية (رحلة الشام أكثر من ألف كيلو متر)، وفي طرق غير ممهدة، وغير مأهولة، وغير آمنة ، وبوسائل نقل وانتقال بدائية ، أهمها الجمل ، والحصان ، وبإمكانيات دفاعية بسيطة ، في ظل كل تلك التحديات الخارجية ، والكثير من مظاهر الضعف الداخلية ،على قائد القافلة أن يحقق المعادلة الصعبة ، والتي تتضمن ثلاثة جوانب أساسية وهي : الأمن ، وتعظيم العائد الاقتصادى بتحقيق أقصي ربحية ، وضمان توفير احتياجات كافة المشاركين في القافلة سواء في طريق الذهاب ، أو طريق العودة، وهذا ليس بالأمر الهين ، حيث يعتبر ذلك في الجيوش الآن سلاحاً مستقلا يسمي سلاح الإمداد والتموين ، ويتوقف عليه إلى حد كبير كفاءة وفعالية أية قوات عسكرية .
لقد أثبت محمد (صلى الله عليه وسلم) كفاءة عالية فى سرعة تفهم إدارة قافلة منذ سن مبكرة ، لدرجة أن عمه أبو طالب أصبح يعتمد عليه لقيادة قافلته ، بعد أن أطمأن إلى كفائته من خلال اصطحابه له فى عدة رحلات ، ولقد أصبح لمحمد (صلى الله عليه وسلم) شهرة وصيت لشدة كفاءته، وأمانته وصدقه فى التجارة ، وحرصه الشديد على أداء مهمته فى تعظيم العائد على أصحاب الأموال بأعظم ما يكون ، لدرجة جعلته يتفوق على كل معاصريه . وهذا ما جعل واحدة من أثرياء قريش مثل خديجة بنت خويلد تسمع عنه، وتطلبه لقيادة قافلتها التجارية وتعظيم ثرواتها ، فوجدت منه بالفعل إضافة حقيقية جعلته يتفوق على كل من استأجرتهم قبل ذلك،وهوجعلها تطلب منه أكثر من مجرد التجارة وتستأمنه على نفسها وتختاره زوجاً لها ، بعد أن تأبت على غيره ممن طلبوها لأنفسهم من أشراف قريش .
إن تلك المرحلة الشبابية من حياة محمد صلى الله عليه وسلم سواء قبل زواجه من خديجة أو بعده قد جعلت منه واحداً ممن تمرسوا على فنون الإدارة والقيادة في كل فنون عصره، وخاصة فى القافلة ، حيث تتجمع فى قيادتها كافة المتغيرات القيادية التى قلما تجتمع فى غيرها ، فمن جانب عسكرى يعنى بالأمن ، إلى جانب اقتصادى يعنى بالربح، إلى العناية باحتياجات كل من معه من إنسان أو حيوان، إلى جانب إدارى يخطط وينظم لكل ذلك ، ليحقق الهدف النهائى الصعب للجميع.
لقد منح كل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خبرة عملية فى القيادة تعتبر أساسية لقائد سوف يقود بعد ذلك دعوة عالمية ، ويدير حروباً وغزوات فى كافة أنحاء الجزيرة العربية، فلم يكن غريباً عليه تولي إدارة أى حملة عسكرية ، ولا يرهبه السير فى أى درب من دروب الصحراء الموحشة، وقد عركها فى ريعان شبابه قبل ذلك.
لقد خرج من كافة تجاربه وممارساته بنجاح منقطع النظير،وبحكمة عملية عالية ، فلم يعرف عليه فشلاً واحداً ، فاختارته خديجة ليواصل معها رحلة النجاح ليس فقط كأفضل قائد قافلة تجارية وكأفضل راع ، ولكن أيضاً كأفضل زوج لأفضل زوجة مارسا معاً أعلى درجات التوافق والتماذج النفسى والروحى ليعطيا للبشرية نموذجاً لحياة زوجية توافقية رائعة.

وكما يحدد (جون أدير) في كتابه، قيادة النبي محمد فإن "الحكمة العملية فى الأساس هى فن معرفة الشىء الصحيح الذى ينبغى فعله فى الوقت الصحيح وبالشكل الصحيح . وتشتمل على القدرة على توقع المستقبل وكيف ستتطور الأمور ، وكيف ستكون نتائج مسار معين للعمل.
أن تكون قائداً لقافلة، أو تكون قائداً فى أى ظرف، فإن هذا يستدعى الحكمة العملية، أن تتوصل إلى استنتاجات سليمة، وأن تبنى عليها قرارات حكيمة، وأن تتصرف وفقاً لها بتصميم وإرداة.
لا أحد يولد حكيماً، وإنما يكتسب القائد الحكمة من خلال موهبة فطرية وممارسة عملية وتفكير، ومثلما تصنع القوس العربية من أنواع مختلفة من الخشب، فالحكمة تتألف من ثلاثة عناصر: الذكاء والخبرة والطيبة.
إن قائد القافلة ليس مجرد دليل موظف لإرشاد قافلة الإبل من خلال معرفته بمعالم الطريق، فالقائد بالمفهوم العام أو العالمى هو من يحقق أهدافه بنجاح، ويحافظ على مجموعته كوحدة متماسكة، ويهتم بأفرادها كأشخاص.
تحقيق هذه الحاجات الثلاث المتداخلة يتطلب حكمة، ولكن أفضل أداء لها أن تكون بروح الخدمة: اخدم لتقود"
إننا بحاجة شديدة أن نتعلم من كل ذلك كيف نصنع قيادتنا المستقبلية ، وكيف نختار قيادات حالية فى ضوء ما تتمتع به من خبرة ومؤهلات مبنية على ممارسات حقيقية ،بعيدة عن التحيز أو العواطف والمجاملات ،فالقيادة كما سماها الرسول أمانة ومسئولية "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

للحديث بقية

 

www.almohamady.com

   
عدد التعليقات 3

1
شكر وتقدير
كتب :عصام عبد العظيم
بتاريخ: الاثنين 15 يوليو 2013 الساعة 04:54 مساءً
أشكرك يادكتور ...بصراحــة أتمتع بكل ما تكتب ... حقيقيــة كتبك وعلمك تعتبر إضافـة لي شخصيـا ...نحن بحاجة إلـى هذا الإبداع الفكري الراقي المؤسس على قاعدة من القيم.
2
شكر وتقدير
كتب :عصام عبد العظيم
بتاريخ: الاثنين 15 يوليو 2013 الساعة 04:54 مساءً
أشكرك يادكتور ...بصراحــة أتمتع بكل ما تكتب ... حقيقيــة كتبك وعلمك تعتبر إضافـة لي شخصيـا ...نحن بحاجة إلـى هذا الإبداع الفكري الراقي المؤسس على قاعدة من القيم.
3
شكر وتقدير
كتب :عصام عبد العظيم
بتاريخ: الاثنين 15 يوليو 2013 الساعة 04:54 مساءً
أشكرك يادكتور ...بصراحــة أتمتع بكل ما تكتب ... حقيقيــة كتبك وعلمك تعتبر إضافـة لي شخصيـا ...نحن بحاجة إلـى هذا الإبداع الفكري الراقي المؤسس على قاعدة من القيم.
أضف تعليق
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل حاصل جمع