7- هدهد سليمان عليه السلام ودروس عظيمة في الإدارة (1)
للأستاذ الدكتور/ محمد المحمدي الماضي
أستاذ إدارة الاستراتيجية
كلية التجارة - جامعة القاهرة
almohamady@almohamady.com
لا شك أن القصص القرآني الذي تناثر بين دفتي المصحف الشريف، قد تضمن في طياته دروس عظيمة في الإدارة سواء ما كان منها على لسان إنسان أو منطق حيوان.
ويحتاج هذا الجانب منا إلى وقفة، بل وقفات لنستخلص منها دروس وعبر يمكن أن تكون بمثابة نظريات وقوانين مرشدة وملهمة في مجالات الإدارة المختلفة.
خاصة وأن تناولها في القرآن يجعلها بمثابة العمل التطبيقي التجريبي الذي يوفر لها رصيداً قد لا يتوافر لغيرها من التجربة والواقعية والمصداقية.
ومن بين هذه القصص التي أرجو من الله أن يمكنني من تناولها ويفتح لي أبواب الفهم والرحمة والفقه فيها، قصة سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات والتسليم، والتي لها ظلال وانعكاسات متعددة الجوانب في مجالات الإدارة، والتي سوف نبدأ معاً أول خطواتها مع الهدهد.. فهيا لالتماس الدروس والعبر الإدارية...
1) الدرس الأول: يقظة قائد:
ويتجلى هذا الدرس الأول في أول ما يطالعنا من موقف سليمان عليه السلام حينما يروي القرآن على لسانه "ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين؟" وذلك بعد أن تفقد الطير وتفحص من فيه كما ذكر القرآن "وتفقد الطير" وهذا يدل على أن القائد لابد وأن يكون يقظاً ومنتبهاً لمن معه، من التفقد والتعرف عليهم وعلى أحوالهم والإحساس بهم والشعور بمن يغيب أو يحضر منهم وخاصة أولئك الذين يلونه مباشرة.
2) الدرس الثاني: العقاب المتدرج على قدر الخطأ:
لا شك أن قضية الثواب والعقاب لها في الإدارة مجال ودور كبير، ويمارسها المديرون بمذاهب شتى، فمنهم من يرفع سيف العقاب والردع والتخويف على طول الخط، ومنهم من يغمده علي طول الخط ، وحار الناس بين هذا وذاك ، ولكننا نرى في هذه القصة كيف أن سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم قد أخذ بمبدأ العقاب ابتداء باعتباره حافزاً سلبياً، ولكننا نراه قد تضمن أعلى درجات الموضوعية والعدل والحكمة، ويبدو ذلك في الآتي:
1- أنه لم يترك الأمر فوضى، ليفعل كل فرد ما يحلو له دون حساب أو مساءلة، وعقاب.
2- أنه لم يبدأ في إعلان العقاب المنتظر إلا بعد أن تأكد فعلاً من غياب الهدهد، وأنه ليس مجرد اختفاء مؤقت عن مستوى رؤيته، حيث سأل عن ذلك بوضوح: ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين؟ فلما تبين له أنه فعلاً غائب، أعلن عن العقاب المنتظر له في مثل هذه الأحوال.
3- تراوح العقاب المعلن والمنتظر بين درجات ثلاث: أشدها وأقصاها ذبحه، وأقلها تعذيبه عذاباً شديداً،ولا ينجيه من أحدهما إلا أن يكون لديه حجة بينة واضحة ويقينية وغير ملفقة أو مدبرة.
4- ويحمل ذلك في طياته ضرورة ألا يطغي الانفعال على العقل ولا الغضب على العدل. فكثيراً ما نجد أحدنا حينما يتعرض لمثل هذا الموقف يتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور فقط دون مراعاة لما قد تكون عليه ظروف الطرف الآخر، وما قد يكون أعذار.
5- كما يشير ذلك التدرج إلى ضرورة أن يكون العقاب على قدر الخطأ:
فإن كان هناك تمرد مثلاً فليكن الذبح، وإن كان مجرد غياب وناتج عن تكاسل غير مقصود أو سبب غير مقبول فليكن التعذيب الشديد، ولا شك أن ذلك سوف يختلف باختلاف درجة التعمد والقصد ومدى تكرار الفعل الموجب للعقاب.
6- أن ما سبق يحتاج ولا بد إلى نوع من التحقيق والمحاكمة ، وإعلان الإدعاء، وسماع الدفاع ، وإعطاء الفرصة كاملة لكليهما وبشكل عادل ومحايد للوصول إلى البينة التي توضح حقائق الأمور، وإلا كيف يمكن التوصل إلى قرار باختيار العقاب المناسب أو قبول العذر؟
7- سواء كانت هذه المحاكمة بواسطة القائد نفسه ، أو قد تسند إلى فرد آخر مختص ، أو لجنة مختصة ( لجنة تأديب ).
8- أن ذلك يؤكد على نقطة أخرى مهمة وهي ضرورة وجود ما يسمى بلائحة الجزاءات، تماماً كما يجب أن يكون هناك نظام كامل وواضح للحوافز. وأن هذه اللائحة يجب أن تكون واضحة ومعلنة ومفهومة لدى كل من يعمل في المنظمة.
9- الفصل التام بين الشخص والخطأ ، والتزام الموضوعية التامة في ذلك ، والتعامل معه على أنه برئ إلى أن يثبت إدانته، وإعطاءه فرصة تامة لإبداء حججه والدفاع عن نفسه وتوضيح موقفه.
وهذا ما يظهر من موقف الهدهد حين قال لسليمان عليه السلام بعد أن اقترب منه: "أحطت بما لم تحط به" ولا يمكن أن يجرؤ على مثل هذا القول، ولا يقف مثل هذا الموقف شديد القرب من القائد "فمكث غير بعيد" إلا إذا كان لا يزال يعامل معاملة البريء ، وينظر إليه من منطلق الفصل بين الشخص والمشكلة التي يمكن أن تنشأ عنه.
ولعل هذه النقطة من أشد نقاط الإدارة والتربية عموماً حساسية ، وتعرضا للانتهاك ، حيث إننا نرى أن الغالب هو أن يخلط الناس بين الأمرين، فإذا أخطأ أحد أخذنا منه موقفا ، وأعلنا أنه كذا..... وكذا..... ( إنك مقصر ومخطئ ) والمفروض أن نقول بدلاً من ذلك إن الفعل الذي أتيت به كذا... وكذا.... ( هذا الفعل خطأ ولا ينبغي ... ) ، ولعل ما يؤكد على أهمية الالتزام بذلك ؛ التوجيه الرباني الذي ورد في القرآن لإرشاد الرسول صلي الله عليه وسلم: "واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني برئ مما تهملون" الشعراء 215 – 216
ولم يقل أني برئ منكم.
وهذا مبدأ من المبادئ العظيمة في الإدارة والتربية والتعامل مع الناس عموماً وهو مبدأ الفصل بين الشخص والمشكلة أو الخطأ.
3) الدرس الثالث: فن صياغة التقارير والإلقاء والعرض:
لقد أكد الهدهد على أن ما لديه من مبررات يقينية ومؤكدة ولا تحتمل التأليف أو الظن أو التخمين أو الافتراض، ولكنها تقوم على الحقائق المجردة.
ولا شك أن لنا وقفة جاء أوانها الآن لنتعلم من الهدهد أحد فنون الإدارة والاتصالات ، فيما أصبح يعرف الآن بفن صياغة التقارير ، والإلقاء والعرض ، عسانا أن نجد فيها من الدروس ما ينفعنا.
وبداية فإن التقرير سواء كان شفهياً أو مكتوباً ما هو إلا وعاء يحتوي معلومات يقدم إلى مستوى إداري أعلى للمساعدة على اتخاذ قراراته على بينه ورشد.
والتقرير الجيد له مواصفات عديدة أهمها أجزاءه المتماسكة والمتكاملة والموجزة والكافية، كلماته الواضحة، والمعبرة ، والبعد عن الغموض، أو التخمين ، أو الإيجاز المخل ، أو التطويل الممل ، ...إلخ.
وأهم أجزاء التقرير : مقدمة مشوقة، وصلب الموضوع، ثم خاتمة وتوصيات في النهاية.
فماذا عن تقرير الهدهد ، وأين هو من كل هذه المواصفات؟!! تعالي ننظر ونتأمل معا .
1. المقدمة:
لقد تضمن تقرير الهدهد كافة عناصر التقرير الجيد وأولها وجود مقدمة، مشوقة، ومعبرة عن الموضوع الذي سوف يتناوله، وذلك حينما قال:
"أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين.."
فالتشويق الكامل يأت من قوله "أحطت بما لم تحط به" فهي تثير في المستمع كل قوى الاستعداد والتحدى لسماع ما سوف يأتي بعد ذلك ؛ ما هذا الشيء الذي يعرفه الهدهد وأحاط به ولا يعرفه سليمان؟!!! رغم إمكاناته والقوى المسخرة لخدمته؟؟
ليس التشويق فحسب بل إن هذه المقدمة رغم إيجازها الشديد فقد تضمنت أيضاً صفة أخرى مهمة من أهم صفات المقدمة الجيدة وهي إعطاء المستمع أو القارئ فكرة عن طبيعة الموضوع، وذلك حينما قال:
"وجئتك من سبأ بنبأ يقين.." فالموضوع يتعلق بسبأ، وما هي سبأ؟ وعليه أن ينتظر بلهفة وشوق للاستماع والتعرف.
ثم إنه قد أبان عن منهجه في هذا التقرير وهل هو قائم على مجرد التكهن، والتخمين، والسماع أم قائم على التبين واليقين والتحقق العلمي الموثق؟ وذلك حينما قال: "بنبأ يقين.."
فما الذي يمكن أن ينقص هذه المقدمة بعد ذلك رغم هذا الإيجاز الشديد؟ !
2. صلب الموضوع:
ثم أخذ الهدهد في سرد عناصر التقرير التي تمثل صلب الموضوع الأساس، وهو هنا يحاول إعطاء صورة كاملة ، وشاملة ، وضافية ، وغير منقوصة ، كما رأى فيما يتعلق بقوم سبأ هؤلاء، ويمكن لنا أن نتبين أن هذا الصلب قد تضمن عناصر عدة أهمها:
نظام الحكم
القدرة الاقتصادية.
النظام الاجتماعي ووضع المرأة فيه.
النظام الحضاري والصناعي ومدى تقدمه.
العقيدة الدينية ومدى رسوخها في نفوسهم.
"إني وجدت امرأة تملكهم" نظام الحكم، ووضع المرأة الاجتماعي.
" وأوتيت من كل شئ" القدرة الاقتصادية.
" ولها عرش عظيم" الوضع الحضاري والصناعي والمهاري.
"وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله" الوضع الديني والعقدي...عبادة الشمس.
"وزين لهم الشيطان أعمالهم"..... مدى رسوخ ذلك في نفوسهم.
"فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون"...... صعوبة تغييرهم وتحويلهم عن هذا الوضع إلا بخطة محكمة ومدروسة تستغرق وقتا وجهدا .
3. التوصيات:
لم يقف الهدهد عند مجرد النقل والسرد، بل إننا نلاحظ تدخل رؤيته وتقييمه للأمور وحكمته، والتي وصلت مداها بتوصية لسليمان يوجهه فيها لطبيعة القرار الذي يجب اتخاذه في مثل هذا الموقف وهذا يوضح أعلى الدرجات الإيجابية والمسئولية والمشاركة من مقدم التقرير إلى قائده، وذلك حينما يختم تقريره بقوله:
"ألا تسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا إله هو رب العرش العظيم" النمل 25:26
وهنا يتوقف سليمان ونتوقف نحن أمام هذا المستوى الراقي من جندي مبادر لا يكتفي بمجرد تأديته الأوامر ولكن ومن منطلق فهمه وإيمانه برسالة المنظمة التي يعمل تحت لوائها، ينطلق ويؤدي ويبدع ويتفاني في إتقان دوره بما ينعكس بأعلى درجات الكفاءة والفعالية على تحقيق وإنجاز هذه الرسالة.
4) الدرس الرابع: لا تبني قراراتك إلا على حقائق:
واستكمالاً للدروس..فماذا كنت ستفعل لو كنت مكان سيدنا سليمان عليه السلام؟
ولماذا تجهد نفسك..فالإجابة موجودة وموثقة في القرآن العظيم "قال:سننظر: أصدقت أم كنت من الكاذبين".
وهذا درس عظيم آخر في الإدارة لا يمكن للقائد أن يبني قراراً وخاصة إذا كان من هذا النوع الاستراتيجي إلا عن بينه وحقائق لا تحتمل أي لبس أو تخمين.
فكثيراً ما نرى الخلط بين أمور ثلاثة لدى الكثير من المديرين، بل من الناس عموماً وهذه الثلاثة هي:
الحقائق. والافتراضات. والأحكام أو القرارات
فإن ما قاله الهدهد.. لا يزال بالنسبة إلى سليمان مجرد افتراض قد تحتمل الصواب أو الخطأ ومن ثم لا يجب أن يبني عليه حكما أو قرارا إلا بعد تحويله إلى حقيقة، وهذا يحتاج إلا تبين وتأكد ودراسة واختبار لصحة الافتراض من عدمه.
ويجب البعد في ذلك عن العواطف والانفعالات والنواحي الشخصية، وهذا بالضبط هو ما فعله سليمان عليه السلام مع الهدهد، حيث قال: "سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين". أي سوف نتأكد أو نتبين مدى صحة ما تدعيه، وحينئذ يتم اتخاذ القرار المناسب ليس فقط بشأن الهدهد وعقابه أو ثوابه، وإنما بشأن القرار الأهم وهو المتعلق بقوم سبأ هؤلاء وما يجب اتخاذه حيالهم، وهو قرار استراتيجي مهم يتطلب وضع خطة على أعلى مستوى لتحويلهم.
فماذا حدث بعد ذلك؟؟
تابعوا معنا الجزء الثاني من المقالة الأسبوع القادم إن شاء الله |